المقريزي

94

المقفى الكبير

فيذكر سيرة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فيخرج الناس على أمير المؤمنين . فو اللّه ، لو صفا هذا الأمر ، لسألت أمير المؤمنين أن يجعل لي السبيل فأقتل هذا وأشباهه ! قال : يا بنيّ ، إنّي لأظنّ أنّ اللّه خلقك شقيّا . ثمّ إنّ مروان بعث يوسف وابنه مع حبيش بن دلجة « 1 » القينيّ إلى إخراج عمّال عبد اللّه بن الزبير من المدينة . فخرجا فيمن خرج معه لعشر خلون من جمادى الأولى ، وهما على جمل واحد . فوصلا إلى المدينة وشهدا معه الحرب حتّى قتل . فانهزما فيمن انهزم إلى الشام . وكان الحجّاج يقول : ما أقبح الهزيمة ! لقد رأيتني مع رجل - وكره أن يسمّي أباه - وكنّا في جيش ابن دلجة فانهزمنا ونكصنا ثلاثين ميلا ، وكان يخيّل إليّ أنّ القوم بين [ 507 ب ] أكتافنا . وكان على شرطة أبان بن مروان وهو على البلقاء ، فلمّا بويع عبد الملك بن مروان بعد موت أبيه ، تقدّم الحجّاج عنده إلى أن قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وأتى الكوفة [ ف ] وجّه منها الحجّاج في ألفين - وقيل : في ثلاثة آلاف - من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير . وكان السبب في تسييره دون غيره أنّه قال لعبد الملك : إنّي رأيت في المنام أنّي أخذت عبد اللّه بن الزبير وسلخته . فابعثني إليه وولّني قتاله ! وقيل : إنّ عبد الملك خطب على المنبر ، فقال : من لابن الزبير ؟ فقال الحجّاج : أنا يا أمير المؤمنين . فأسكته . ثمّ عاد فأسكته . ثم عاد فقال له : أنا يا أمير المؤمنين ، فإنّي رأيت في النوم كأنّي انتزعت جبّته فلبستها . [ قتاله لابن الزبير ] فعقد له وبعثه ، وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا ، فسار بالعساكر لأيّام مضت من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين . ولم يعرض للمدينة ونزل الطائف ، فكان يبعث الخيل إلى عرفة ، ويبعث ابن الزبير الخيل أيضا فيقتتلون بعرفة ، وينهزم أصحاب ابن الزبير في كلّ ذلك ، وتعود خيل الحجّاج بالظفر . فكتب الحجّاج إلى عبد الملك « 2 » يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير ، ويخبره بضعفه وتفرّق أصحابه ، ويستمدّه . فأمدّه بطارق بن عمر مولى عثمان . فقدم على الحجّاج بمكّة في ذي القعدة ومعه خمسة آلاف . وكان الحجّاج قد قدم مكّة في ذي القعدة محرما بحجّه ونزل بئر ميمون وحجّ بالناس من غير أن يطوف بالبيت ولا سعى بين الصفا والمروة . ولم يحجّ ابن الزبير ، وكان الحجّاج قد نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة ، فأرسل إليه عبد اللّه بن عمر يقول : أن اتّق اللّه وأكفف عن الناس هذه الحجارة ، فإنّك في شهر حرام ، وقد قدمت وفود اللّه من أقطار الأرض ليؤدّوا الفريضة ويزدادوا خيرا ، فإنّ المنجنيق قد منعهم عن الطواف ، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكّة . فبطل الرمي حتى عاد من عرفات وطافوا وسعوا ، ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي . فلمّا فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجّاج : انصرفوا إلى بلادكم ، فإنّا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد ! [ 321 أ ] وأوّل ما رمى الحجّاج الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد على

--> ( 1 ) مرّت ترجمة حبيش : رقم 1118 . ( 2 ) في المخطوط : لعبد الملك .